امتازت القصة في تراثنا البشري عن غيرها من صنوف الادب الاخري بعامل الزمن طولا و عرضا حيث سخّر القاص كل جهده من اجل اتقان ركنين في القصة لا محالة

هما:
المعيار الكمي: و هو الذي يعتبر عنصر البحث لهذه الدراسة
و معياري الكيفية و المقصدية: و هذا ما سيتم الالفات اليه من خلال البحث الكمي.
فالمعيار الكمي هو الذي يتكفل في الدرجة الاولي قصر حجم القصة طويلة كانت او قصيرة فمنذ ان مارس البشر فن القصة الي الحين مارسها بتاثير و تأثر كاملين مع العامل الزمني الذي سيحسم نوعية الاتجاه الادبي لهذا اللون من الفنون.
فلما كانت الناس تجد فراغات زمنية كبيرة تفتقر الي اي نوع من انواع العمل المكثف و السريع و التسلية الرائجة اليوم التجئوا الي القصة و الروايات بشكل مسهب و مفرط في آن واحد لإهدار الكم الهائل من الوقت و الزمن المتكدس لديهم و اما ما قيل من (ان الوقت من ذهب) او (الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك) و غير ذلك من الحكم و الامثال الموروثة فانك لا تجد مصاديق ذات صلة بالامر كما اليوم الا عند ثلة بسيطة من العلماء او المقدمين علي امر تضايقه المدة لا اكثر.
فعامة الناس آنذاك في غالب اوقاتها تصارع الضجر و الروتين بخلق احداث و شخصيات مضخمة و مبالغة فيها الي ما يتجاوز المعقول حتي، من اجل التغطية علي هذا الفراغ الشاسع.
اما اليوم الذي نعده (عصر السرعة) والذي بدا و كأنّ الوقت فيه سائر في انكماش متزايد علي الذات اصبحت الكثافة في المحتويات و المواضيع و غيرها من اهم اولويات استثمار الوقت لدي اصحاب الاعمال و المهن و الفنون المختلفة ولا يمكن لثقافة الجدود ان تشاطرنا في مسيرتنا الحياتية فاختيارالقصة القصيرة جداً يعد الحل الامثل لمسايرة العصر الحديث حيث التكثيف و ايصال المقاصد الي ذهن القارء باسرع وقت ممكن و الاقبال الكبير علي القصة القصيرة جداً من قبل الشارع شاهد اوضح مما نقلناه لحد الآن، نعم ربما نجد من يقرأ القصة الطويلة او الرواية لكن لنعلم انه لم يقرءها عن فراغ بال، بل تحيّن الوقت و تصيد الفرصة لقرائتها و الا لما كان ينبغي ان نصنفه ضمن
الناجحين نسبياً. إن إدارة الوقت اصبحت عنصراً مهماً من عناصر الحياة الحديثة وهي من العمليات التي لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصاً في مجالات الثقافة و التخطيط. وتعتمد إدارة الوقت على عدد محدد من العوامل لسنا بصدد خوضها الآن وبالسيطرة على هذه العوامل تزيد فاعلية وكفاءة الإدارة السليمة للوقت فابرز افرازات هذه الضرورة الملحة هي اختراع عملية الاختزال في الكتابة في السبعينيات من القرن المنصرم و تقبل العرب لها و تمت كتابة النصوص بطريقة الترميز كادت تطغي علي مناهج التعليم و التربية لكن علي الرغم من تفنيد هذه الحركة لا تزال ضرورتها و بواعثها تتسري الي مختلف فنون الادب و المكاتيب الادارية. فاول ما تاثر من الفنون الادبية هي القصة التي كادت تفقد مكانتها في المجتمع الحديث حتي تدرجت فاصبحت القصة القصيرة فالقصة القصيرة جداً. لذلك تطلب ان تكون القصة القصيرة جداً مكثفة وخالية من الزوائد والحشو الوصفي والاستطرادات، إضافةً إلى تركيزها على خط قصصي هام و ترصد بمهارة شديدة حالات إنسانية شديدة الصدق، مما تفردت باثارة التوتر في السمع حتي آل بها المطاف كي ينعتها البعض بانها من مصاديق الشعر لا الرواية او القصة ففي الواقع ان التأثير الكمي حصد الكثير من الحرية اللغوية في ال(ق ق ج) مما يجعلنا ان نوعزها ايضا بمعترك لغوي شديد. ان القصة القصيرة جدا لم تكن بذات المفهوم القصصي و الحكائي بل هي وليدة عصر لا توسع له الظروف مجالا كافيا للاختلاء بالقصة الا بالقصير منها فنبغ في اختراعها و جاد و اجاد بها مما جعل الكثير من اصحاب الخبرات الادبية ان يتهافتون عليها. استهلّ محمود درويش مجموعته الشِّعريّة بعنوان "كزهر اللوز أو أبعد" بمقولة (أبي حيّان التوحيدي)، في "الإمتاع والمؤانسة"، (الليلة الخامسة والعشرين):
"أحسنُ الكلام ما... قامت صورته بين نَظْمٍ كأنه نثر، ونثرٍ كأنه نَظْم

الکاتب

عباس ساکی